الفيض الكاشاني

76

عين اليقين الملقب بالأنوار والأسرار

كان أوفر اختصاصا ، وفي العود كلّ ما تأخّر كان أعلى مكانا . وإلى البدء أشير بليلة القدر ، وإنزال الكتب ، وإرسال الرسل المعنويّين تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ « 1 » . وإلى العود بيوم القيامة ، والمعراج المعنوي تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ « 2 » . وعنهما عبّر في الأخبار بالإقبال والإدبار ، قال مولانا الصادق عليه السّلام : « إنّ اللّه خلق العقل ، وهو أوّل خلق من الروحانيين عن يمين العرش ، من نوره ، فقال له : أدبر ، فأدبر ، ثمّ قال له : أقبل ، فأقبل ، فقال اللّه تعالى : خلقتك خلقا عظيما ، وكرّمتك على جميع خلقي ، قال : ثمّ خلق الجهل من البحر الأجاج ، ظلمانيا ، فقال له : أدبر فأدبر ، ثمّ قال له : أقبل ، فلم يقبل ، فقال له : استكبرت ، فلعنه » « 3 » ، ثمّ ذكر عليه السّلام جنود العقل من الخيرات ، وجنود الجهل من الشرور . والمراد بالجهل ما يقابل العقل ، تقابل التضادّ الشبيه بتقابل العدم والملكة ؛ لأنّه وجودي شبيه بالعدميّ ، حيث هو وجود للعدم ، كما يأتي تحقيقه في بيان معنى الألم من مباحث الخير والشر . فالجهل تابع للعقل ، متميّز به ، فوجوده بالعرض من غير صنع ، وإدباره تابع لإدبار العقل وإقباله جميعا ، وإنما لم يقبل ؛ لأنّه بالإدبار بلغ أقصى مراتب الكمال المتصوّر في حقّه ، ولهذا استكبر ، وسنبرهن على وجوب هذا الترتيب - نزولا وصعودا - فيما بعد إن شاء اللّه .

--> ( 1 ) - سورة القدر ، الآية 4 . ( 2 ) - سورة المعارج ، الآية 4 . ( 3 ) - الكافي : 1 : 20 ، ح 14 .